هل كانت السعوديه محميّة بريطانيه؟ولماذا اختارت تاريخ تغيير أسمها في 23 سبتمبر و ليس يوم استقلالها، 17سبتمبر، يوما وطنيا لها؟

هل كانت السعوديه محميّة بريطانيه؟ولماذا اختارت تاريخ تغيير أسمها في 23 سبتمبر و ليس يوم استقلالها، 17سبتمبر، يوما وطنيا لها؟

تحتفل هذا الأسبوع المملكة العربيه السعوديه ب”يوم التوحيد”وهو بمثابة اليوم الوطني الذي يصادف ٢٣ سبتمبر الذي فيه قرر مؤسس البلاد، عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود المشهور ب”ابن سعود” في١٩٣٢اسما جديدا،”المملكة العربيه السعوديه”،يحمل اسم عائلته ليحل مكان اسم ثنائي،مركب من أسماء المناطق الجغرافيه الاساسيه المكوّنة لها،”مملكة الحجاز و مملكة نجد وملحقاتها” التي كان قد أعلن قيامها رسميا في ٨  يناير ١٩٢٦ بعد سلسلة من الحروب بدأت من الرياض ،وسط نجد،في ١٩٠٢ وانتهت باحتلال الحجاز في نهاية   ١٩٢٥

في اعلامها ومناهجها الدراسيه في التعليم العام والجامعي ،تفاخر حكومة المملكة العربيه السعوديه بأنها تكاد تكون الدولة الوحيده في العالم العربي التي لم تخضع لاستعمار أجنبي أوروبي. ويدعم هذا الادعاء عدد غير قليل من الدراسات المنشوره بلغات مختلفه منها العربيه والانجليزيه.  لكن هذا التفاخر يصل أحيانا حد المبالغة التي تتخطى حقائق ثابته لا يمكن طمسها عندما  تحاول  رسم علاقتها التاريخيه مع بريطانيا خلال فترة نشوئها بأنها لم تكن أبدا علاقة تبعية،أو حتى ندّيه، بل علاقة حرب وعداء. ففي تصريح  يعكس جهل ملقيه ،اكثر منه محاولة قلب حقائق تاريخية ، فاخر ولي العهد السعودي الحالي،والحاكم الفعلي للبلاد،محمد بن سلمان آل سعود بأن جدّه،مؤسس المملكه ابن سعود كان قد “تحدى” ومنع “الاستعمار البريطاني من دخول شبر واحد من السعوديه” وذلك في مقابلة تلفزيونيه مع قناة العربيه يوم٢٥ ابريل ٢٠١٦ . ووفق هذا المنطق اختارت الحكومة السعوديه  مناسبة يوم إعادة تسمية الكيان الوليد بالاسم الحالي في ٢٣ سبتمبر عيدا وطنيا  لأنها تعتبر نفسها ،عكس دول المنطقة، لم يتم استعمارها حتى تختار يوم اعلان استقلالها اليوم الوطني لها . هذا المقال هو محاولة لدحض هكذا الادعاء بإثبات ان الأراضي الخاضعه للمملكة العربيه السعوديه ،تحت مختلف مسمياتها بما فيها الحجاز والحرمين الشريفين، ،كانت ،من الناحيه القانونيه،و ليس الواقعيه التاريخيه فقط،محمية بريطانيه منذ ١٩١٦،على الأقل، وحتى ابرام اتفاقية جده في ١٩٢٧ التي منحت السعوديه استقلالا السياسي مكبّلا بقيود قانونيه عبر بنود لم تسقط  الا  بانضمامها  الى منظمة هيئة الامم المتحده في ١٩٤٥

17 سبتمبر 1927 هو التاريخ الذي منحت فيه بريطانيا محميتها المملكة العربيه السعوديه التي كانت تعرف باسم “مملكة الحجاز ومملكة نجد وملحقاتها “وقبلها ب”سلطنة نجد” استقلالها السياسي بعد مصادقة البرلمان البريطاني على معاهدة جدّه الموقعه في مايو من نفس العام والتي بموجبها ألغيت معاهدة الحمايه المصادق عليها في 26 ديسمبر 1916 المعروفه بمعاهدة دارين القطيف أو العجير بين لندن و”حاكم نجد والاحساء ورئيس عشائرها” ابن سعود . انه لتفادي هذه الحقيقه ،لحساسية الوضع الديني للحجاز،وتكريس إسطورة أن المملكة العربيه السعوديه لم تكن يوما محمية بريطانيه،قانونا وواقعا، قررت الحكومه الحكومة السعوديه في ٢٠٠٥، اختيار  23 سبتمبر ،وليس ١٧ سبتمبر، ان يكون اليوم الوطني

بعد إحتلاله الرياض في 1902 بدأ إبن سعود بشن حملات عسكريه في كل الاتجاهات داخل شبه الجزيرة العربيه توقفت نهائيا باحتلاله وضمه للحجاز في 25 ديسمبر 1925،معلنا نفسه في الثامن من يناير 1926 ملكا على “مملكة الحجاز ونجد و ملحقاتها”.وخلال بضعة أسابيع تم الاعتراف بالنظام الجديد من قبل القوى الكبرى مثل بريطانيا،الاتحاد السوفييتي،فرنسا،ألمانيا وايطاليا ،وبسيادته على أراض تشكل بشكل أساسي الحدود السياسيه القائمة حاليا للمملكة العربية السعوديه.  قام ابن سعود بتغيير في اسم هذا الكيان أكثر من مرّة بدءا من “أمارة نجد”،”سلطنة نجد”قبل ثم،بعد ١٩٢٥،الى ثنائي مملكة وسلطنة “مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحلقاتها” تحت حكم فرد واحد هو ملك وسلطان في آن ،ثم قرر تحويل السلطنة الى مملكة لتصبح مملكتين تحت ملك واحد”مملكة الحجاز ومملكة نجد وملحقاتها”. وأخيرا قرر تحويل هذا الكيان السياسي الثنائي الى كيان واحد تحت حكم فرد واحد باسم واحد يحمل اسم عائلته عندما أصدر مرسوما بتبني الاسم الحالي “المملكة العربية السعوديه”. وعلى عكس التسميات السابقة التي جاءت نتيجة إحتلال وضم مناطق جديده ، فأن الخطوه الأخيره،وإن سبقها قمع عدد من الثورات الداخليه، لم تكن أكثر من رغبة كانت تراود إبن سعود منذ زمن في تبني إسما موحدا،أكثر بساطة، يتوج جهوده عائلته. وقد رحّب ابن سعود بالاسم الجديد الذي اختاره ،بالانجليزيه،(  Kingdom of Saudi Arabia) جورج رندل،مدير ادارة الشرق الاوسط في وزارة الخارجيه البريطانيه،تم بعده الاتفاق مع مستشاريه العرب على الاسم الحالي(المملكة العربيه السعوديه ) كترجمة عربية
بعد ذلك بقليل أصدر إبن سعود قرارات تجعل من هذا اليوم “يوم التوحيد” وكذلك ٨ يناير “عيد الجلوس” يوم تتويجه ملكا على الحجاز ونجد مناسبات رسميه يحتفل بها سنويا. لكن ما لبث ان قام بإلغائها تحت ضغوط رجال الدين اللذين أفتوا أن الإسلام الذي يصنف، حسب عقيدتهم الوهابيه، كل عيد أو مناسبة احتفاليه،خارج عيدي الفطر والأضحى،مثل اليوم الوطني وعيد الجلوس  بدعا وثنية محرمة وكذلك الأمر بالنسبة للمفاهيم العقائديه التي تنطلق منها مثل الوطن والوطنيه والقوميه . واستمر هذا الامر حتى تفجيرات 9 سبتمبر2001 التي خلقت واقعا جديدا فرض تغييرات جوهرية في ثوابت كانت مقدسة مسلم بها. في 17 سبتمبر 2005 صدر مرسوم ملكي آخر بإعلان يوم 23 سبتمبر “يوم التوحيد“ اليوم الوطني، للمملكة واعتباره إجازة رسميه يحتفى به كل عام وفق التقويم الميلادي وليس الهجري. ولعل الأمر اكثر من مجرد صدفة أن قرار اختيار تاريخ  اصدار هكذا مرسوم جاء ليتوافق  مع تاريخ اليوم الذي منحت فيه بريطانيا الاستقلال السياسي للسعوديه. ففي 17 سبتمبر 1927 تمت المصادقه على معاهدة جده التي كانت قد وقعتها الحكومة البريطانيه مع إبن سعود،بناء على رغبة الطرفين ولأسباب مختلفه، في 20 من مايو نفس العام. فقد نصت المادة الاولى على إعتراف “حكومة جلالته البريطانيه بالاستقلال التام والمطلق لأقاليم جلالة ملك الحجازونجد وملحقاتها”. كما نصت المادة التاسعه على أن معاهدة دارين أو العقير المبرمه في 26 ديسمبر1915وصادقت عليها الحكومة البريطانيه في 18 يوليو 1916، تصبح لاغية من تاريخ المصادقه على معاهدة جده. فبينما أعطت  معاهدة دارين الإشارة الخضراء لإبن سعود ليبدأ أو يواصل توسعه الحثيث خارج حدود وسط نجد والأحساء في كل الاتجاهات باستثناء الشرق حيث الخليج المتصالح البريطاني،أعطت معاهدة جده الإشارة الحمراء لوقف نهائي لهذه التوسعات  وحصر ابن سعود ضمن حدود أراضي،قررتها بريطانيا وليس هو، التي تشكل الحدود السياسيه الحاليه للمملكة العربيه السعوديه الحديثه. ان  اتفاقية دارين شكّلت وفق قواعد القانون الدولي السائد آنذاك معاهدة حماية كبّلت إبن سعود،بمحض اختياره ورغبته،بسلاسل قانونيه قيّدت بشكل حاد سياسته وصناعة قراره على المستويين الداخلي والخارجي . في المادة الاولى اعترفت “الحكومة البهية الانكليزيه ” بإبن سعود “حاكما مستقلا ورئيسا مطلقا على عشائر ممالك نجد والحساء والقطيف والجبيل وما يليها وبعده أولاده وأعقابه بالوارثه على أن لا يكون خلَفه شخصا مضادا بأي وجه الى الدولة الانكليزية” وملتزما لبنود لتلك المعاهده. ويتعهد إبن سعود ، في المادة الثالثه ، أن “يتبع بشكل كامل نصائح الحكومة البريطانيه” وأن يمتنع “من الدخول في أي مكاتبة أو مقاولة أو معاهدة مع أي قوم أو دولة أجنبيه” وان يخبر الحكومة البريطانيه عن أي محاولة من قبل دولة أخرى الاتصال به أو التدخل في حدوده. ويتعهد ابن سعود ايضا وفق المادة الرابعه وبشكل قطعي أن لا يتنازل أو يبيع أو يرهن أو يؤجر أو يتصرف بأي شكل في أي جزء من أراضيه أو يمنح إمتيازات لأي دولة أجنبية أخرى أو رعاياها دون موافقة الحكومة البريطانيه. وبينما وضّحت المادة السادسه حدود إبن سعود الشرقيه مع محميات ساحل الخليج العربي التي ترتبط مع بريطانيا بمعاهدات حماية مماثله،تعمّدت المادة الاولى ترك مصير حدود إبن سعود الشماليه،الغربيه والجنوبيه مفتوحا تتم مناقشتها وتحديدها “بعد حين” من خلال ، كما نصت المادة السابعه، “معاهدة مفصلة” يبرمها الطرفان مستقبلا. وبالتالي، فان الحملات العسكريه التي شنها ابن سعود وما تبعها من احتلال وضم لمناطق بعد١٩١٦ تكون قد تمّت بموافقة ،ان لم يكن تشجيع من الحكومة البريطانيه وفي كل الأحوال تخضع تلقائيا كجزء من الأراضي السعوديه الخاضعة  للحماية البريطانيه وفق ما نصت عليه معاهدة دارين
وهذا يعني من الناحية القانونيه ،شكلا ومضمونا ،أن نجد والاحساء (منذ1916)، سلطنة نجد بما في ذلك إمارات حائل ،الجوف،عسير وجيزان (منذ1922) ،ومملكة الحجاز بما في ذلك مكة والمدينه (منذ يناير 1926) اصبحت كلها جزءا من محمية بريطانيه حتى،على الأقل، دخول معاهدة جده حيز التنفيذ في 17 سبتمبر 1927 التي حلّت محل معاهدة دارين لعام ١٩١٦  واعترفت باستقلال المملكة العربية السعوديه . لكن معاهدة جده لعام 1927  أحتفظت دون تعديل ببعض البنود المقيّده في معاهدة ١٩١٦،بل وأضافت  أخرى عبر مذكرات متبادلة شكّلت ملاحق مكملة لجسم المعاهده. فعند صياغة معاهدة جده، حاولت الحكومة البريطانيه الاخذ بعين الإعتبار الوضع السياسي والأرضي لأبن سعود كحاكم سيادي على الحجاز وبالتالي راعيا لأقدس مقدسات الاسلام في مكة والمدينه. كانت لندن تريد معاهدة تحتفظ بعلاقة تبعية إبن سعود لبريطانيا العظمى دون إعطاء الانطباع بأن دولة استعمارية اوروبيه مسيحيه غير  مسلمة تمارس حالة “حمايه” على الحرمين الشريفين مما قد يثير غضب رعاياها المسلمين في شبه القاره الهند البريطانيه وغيرها. وعلى النقيض من رؤية لندن، حاول إبن سعود جديا الاحتفاظ في معاهدة جده بكل بنود الحماية الوارده في معاهدة دارين لولا إقناعه بعد جهد جهيد من قبل المفاوضين البريطانيين أنفسهم وبعض مستشاريه العرب، بأن الاحتفاظ  بها سيجعل منه، كالملك حسين قبله، خائنا في أعين المسلمين، لوضعه للحجاز ” تحت حماية دولة مسيحيه “. ولكن رغم كل ذلك فلقد بقي استقلال السعوديه مقيدا بشكل انتقص من سيادتها بشكل ملحوظ. فلقد احتفظت المعاهدة عبر بنود ومذكرات متبادلة ملحقه بالحقوق الاستسلامية(capitulatory clauses) الممنوحه حصرا لبريطانيا مثل تحرير العبيد (الماده 7 والمذكرة رقم 3)، منح إمتيازات خاصه لرعايا وحجاج بريطانيا وأملاكهم على أراضي السعوديه(المواد 3-5والمذكرات 7 و8)،وإعطاء النص الانجليزي للمعاهده أسبقية على النص العربي(الماده 10). كما أن المعاهده فرضت قيودا متعلقة بالسياسه الخارجيه لأبن سعود (المواد 2 و6). فقبيل البدء بالدخول في مفاوضات معاهدة جدة ،أبرم إبن سعود،كشرط مسبق فرضته بريطانيا، في 1-2 نوفمبر 1925 مع المندوب المفاوض البريطاني الجنرال كليتون،ومساعده اللبناني جورج انطونيوس، اتفاقيتي الحدا والبحره. فبينما عيّنت الاولى الحدود بين سلطنة نجد وإمارة شرق الاردن ،التي كانت حتى ١٩٤٦جزءا من فلسطين البريطانيه المنتدبه،حددت الثاتيه الحدود بين سلطنة نجد والعراق الخاضع للانتداب البريطاني. ولقد ارتأت الحكومه البريطانيه أن هاتين الاتفاقيتين تشكلان “إعترافا صريحا” من قبل إبن سعود بالانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.وشعرت بالتالي بأن إدخال بند مكتوب في مشروع المعاهده ينص على إعتراف صريح بالانتداب البريطاني في فلسطين تحديدا ،كما حاولت مع الملك حسين، يعرّض إبن سعود دون ضرورة والذي لم تعترف به دولة مسلمة واحده حتى ذلك الوقت،لمزيد من الاتهامات بخيانة قضايا العرب والمسلمين في فلسطين حيث يقع ثالث مقدسات الاسلام. وتجدر الاشاره الى أن مملكة الحجاز الهاشميه لم ترتبط بأي معاهدة حماية مع بريطانيا حيث رفض الملك حسين بن على،رغم الضغوط الهائلة والتهديدات التي مورست ضده، التوقيع على مشروع “المعاهده الحجازيه-البريطانيه” لأنها تشترط عليه الاعتراف الصريح كتابيا بالانتداب البريطاني على فلسطين (بما فيها شرق الأردن) وهو ما كان سببا مباشرا في خلعه وسقوط مملكته في يد ابن سعود،الذي فهم فورا الدرس واستوعبه ،واعترف ضمنا،على الأقل،عبر معاهدتي بحره و جده ، بما رفضه الحسين صراحة. أما بخصوص حدود مملكة الحجاز مع أراضي الانتداب البريطاني في فلسطين فقد قامت الحكومة البريطانيه من طرف واحد بإحتلال الجزء الشمالي من الحجاز الممتد من جنوب ميناء العقبه على على خليج العقبه الى جنوب معان على خط سكة حديد الحجاز، وضمه الى إمارة شرق الاردن التي كانت قانونا جزءا من انتداب فلسطين وذلك عندما أصبح سقوط الحكم الهاشمي في الحجاز وشيكا مع نهاية 1924. ولقد قدّرت الحكومة البريطانيه إستجابة إبن سعود لإنذارها الضمني بعدم الاقتراب من العقبه ومعان خلال عملية “بلعه للحجاز” على الرغم من اعتراف لندن بأنه ” كخليفة عبر إحتلاله لمملكة الحجاز كان من حقه ضم العقبه ومعان الى مملكته”. على أي حال ، شملت معاهدة جده مذكرات متبادله (رقم 1 و2) قبل فيها إبن سعود،دون تنازل قانوني عنه، الوضع الجديد لخط العقبه- معان كالحد الفاصل بين مملكته و فلسطين التي كانت شرق الأردن قانونا جزء منها وفق بنود الانتداب الذي اقرته عصبة الامم ومعاهده فرساي التي أدخلت وعد بلفور ضمن موادها وكلفت بريطانيا،دولة الانتداب، بتنفيذ محتواه الهادف الى “انشأ وطن قومي لليهود في فلسطين”. وبهذا يكون ابن سعود قد اعترف بالانتداب البريطاني على فلسطين بتنازله عن جزء مقدس من أرض معترف بها دوليا أنها تحت سيادة مملكة الحجاز المستقلة ،شكليا قانونا،وفق معاهدتي فيرساي وسيفر وعصبة الامم التي كان الحجاز عضوا مؤسسا فيها ،عكس سلطنة نجد و حتى”المملكة العربيه السعوديه لأنها تفتقد الاستقلال السيادي كشرط يؤهلها للعضويه كونها لاتزال،وفق البنود المقيده لمعاهدتي دارين ثم  جده،مرتبطه تعاهديا بدولة استعماريه،بريطانيا. ان اعتراف ابن سعود بالانتداب البريطاني على فلسطين،الذي املته الواقعيه السياسيه متمثلة في مصير عدوه اللدود الحسين بن علي ، مقابل اعتراف بريطانيا بضمه للحجاز وحائل وبه ملكا شرعيا على كيان سياسي ،سيادي جديد ،يكشف العلاقة الترابطيه،التناغميه الوثيقه بين تنفيذ وعد بلفور كهدف استراتيجي والتزام قانوني معلن للسياسة البريطانيه باقامة وطن قومي لليهود تحقق في قيام دولة إسرائيل من جهة ، وبين مراحل نشوء المملكة العربية السعوديه الحديثه من جهة أخرى

وتشمل البنود الاستسلاميه في معاهدة جده مذكرات متبادله (رقم 5 و6) تشترط على إبن سعود شراء الاسلحه والذخائر حصريا من مصانع بريطانيه وأن تستخدم هذه الاسلحه فقط لحفظ الأمن الداخلي مما يعطي بريطانيا ميزة ممارسة نفوذ عليه يضمن استمرارية إعتماده عليها في الحصول على السلاح والذخيره وكذلك يمنعه من استخدامها بطريقة قد تضر بمصالح بريطانيا في نزاع قد ينشب مع جيرانه المرتبطين مثله بعلاقة تعاهديه مع لندن
وأخيرا يجدر التنويه أن معاهدة جده ،كسابقتها،كانت تعهدا شخصيا صريحا بين “حكومة” بريطانيا وشخص إبن سعود فقط وليس حكومته او عائلته. في هذه الحالة ،تصبح هكذا معاهده قابلة للإلغاء،و ليس ملغاة بالضروره، عند موت أو مقتل إبن سعود أو نكث الاخير لبنودها أو في حال قرر وريثه في الحكم إنتهاج سياسة معادية أو تعتبرها  بريطانيا معادية لمصالحها مما يعطيها الحق القانوني باتخاذ من طرف واحد اجراءات عملية وقانونيه بما في ذلك إلغاء المعاهده كليا أو جزئيا.
إن معاهدة جدة التي منحت المملكه العربيه السعوديه إستقلالها،مهما ظهر منقوصا،كان يفترض أن تبقى في حيز التنفيذ لمدة سبع سنوات قابلة للتجديد وتستمر إلى ما لا نهاية في حال لم يقدم كلا الطرفين المذكرة المشترطه عن نيتهما في التنصل من المعاهده كما جاء في الماده 8. ولقد تم تجديد المعاهده عدة مرات منذ تاريخ إبرامها.وفي 14 أكتوبر 1943 عند قرب حلول تجديدها وافقت الحكومه البريطانيه على طلب رسمي سعودي بإجراء تعديل يلغي فترة التجديد الزمنيه ويجعلها سارية المفعول الى ما لا نهاية

وعليه يتضح ان معاهدة جده  لم تحدث تغييرا جوهريا في  الوضع القانوني للحماية الذي كانت السعوديه، تحت مسمياتها المختلفه، تخضع له منذ ، ١٩١٦والذي استمر ،بشكل أو بآخر،طوال سريان فعالية المعاهده التي تم تجديدها دوريا دون تعديل حتى بداية الاربعينات قبل ان تصبح لاغية حكما بعد نهاية الحرب العالميه الثانيه بانضمام المملكة العربيه السعوديه لهيئة الامم المتحده في ١٩٤٥
ومع كل هذا يبدو أن معاهدة جده استمرت حيّة ،في روحها ،على الأقل، حيث أنها شكلت  اطارا  لاستمرارية العلاقة التاريخيه “الخاصّة” التي تجمع المملكة العربية السعوديه والمملكة المتحده ، تجسّد في الترتيبات الدفاعيه والامنيه الطويلة الأمد على رأسها مشروع اليمامه القائم منذ ١٩٨٣، المشاركة العسكريه البريطانيه في حماية السعوديه خلال حرب الخليج الاولى. كما تجسّد أيضا في السماح بفتح قنصلية بريطانيه في مكة في 1999 في امتياز أول ووحيد من نوعه خصت فيه الحكومة السعوديه دولة غربية غير مسلمة، لم تحظ به دول أخرى وكبرى بما فيها أمريكا، روسيا،الصين و الهند حيث يفوق عدد المسلمين في أي من هذه الدول الثلاثه الأخيره،وهم من  السكان الأصليين،عدد مسلمي بريطانيا الذين تنحدر غالبيتهم من المهاجرين من مسلمي دول شبه القاره الهنديه التي كانت حتى ١٩٤٧ جزءا من الامبراطوريه البريطانيه وحاليا  أعضاء في كومونولث التاج البريطاني

والخلاصة أن هي ان المملكة العربية السعوديه كانت قانونا محمية بريطانيه كجميع جيرانها في الشرق الاوسط(ربما باستثناء مملكة اليمن) ولكنها من أوائلهم في الحصول على استقلالها الذي منحته إياها بريطانيا في  17 سبتمبر 1927 الذي يشكل يوم استقلال السعوديه من الاستعمار الإنجليزي والذي جرى العرف ان يكون العيد الوطني للدول المستعمره. لكن هذا يعني  أيضا أن الأراضي السعوديه بما فيها الحجاز الذي يحتض أقدس مقدسات الإسلام في مكة والمدينه،كانت خاضعة قانونا لحماية دولة استعماريه مسيحيه منذ الاعتراف بابن سعود،المرتبط بمعاهدة حماية مع بريطانيا منذ ١٩١٦، ملكا على الحجاز في ٨ يناير ١٩٢٦. انه لتفادي هذه الحقيقه ،حساسية الوضع الديني للحجاز،و تكريس إسطورة أن اراضي المملكة العربيه السعوديه لم تكن يوما ممرا أو مقرا للاستعمار الاوروبي،واقعا و قانونا، هو ما دفع الحكومه الحكومة السعوديه الى اختيار تاريخ تبني اسمها الحالي يوم  23 سبتمبر ،بدلا من  يوم استقلالها  في ١٧ سبتمبر، ليكون  اليوم الوطني لها

Advertisements