لماذااختارت المملكة العربية السعوديه ٢٣سبتمبر وليس ١٧سبتمبر يوما وطنيا لها؟

 في 17 سبتمبر 1927 حصلت  “مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها ” على استقلالها بعد المصادقة على معاهدة جدّه التي بموجبها ألغيت معاهدة الحمايه المبرمه في 26 ديسمبر 1915 المعروفه بمعاهدة دارين أو العجير.ولتفادي هذه الحقيقه ،لحساسية الوضع الديني للحجاز،وتكريس إسطورة أن المملكة العربيه السعوديه لم تكن يوما محمية بريطانيه،قانونا وواقعا،اختارت الحكومة السعوديه 23 سبتمبر يوما وطنيا لها وهو اليوم الذي قرّر فيه مؤسسها إبن سعود  في 1932 اعادة تسميته مملكته لتحمل لقب عائلته

بعد إحتلاله الرياض في 1902 بدأ عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ( إبن سعود)في شن حملات عسكريه في كل الاتجاهات داخل شبه الجزيرة العربيه توقفت نهائيا باحتلاله وضمه للحجاز في 25 ديسمبر 1925،معلنا نفسه في الثامن من يناير 1926 ملكا على “مملكة الحجاز ونجد و ملحقاتها” .وخلال بضعة أسابيع تم الاعتراف بالنظام الجديد من قبل القوى الكبرى مثل بريطانيا،الاتحاد السوفييتي وفرنسا، وسيادته على أراض تشكل أساسا الحدود السياسيه القائمة حاليا للمملكة العربية السعوديه. في 23 سبتمبر 1932،أصدر إبن سعود مرسوما ملكيا بتغيير إسم بلاده للمرة الأخيره إلى “المملكة العربية السعوديه”. وعلى عكس التسميات السابقة التي جاءت نتيجة إحتلال وضم مناطق جديده ، فأن الخطوه الأخيره،وإن سبقها قمع عدد من الثورات الداخليه، لم تكن أكثر من رغبة كانت تراود إبن سعود منذ زمن في تبني إسماجديدا أكثر بساطة ويحمل إسم عائلته
ولم يتخذ إبن سعود وخلفاؤه أي إجراءات قانونيه أو خطوات عملية بالاحتفال بهذه المناسبة كعيد أو يوم وطني في دولة ثيوقراطيه تعتبر إقامة أعياد،خارج عيدي الفطر والاضحى،بدعا محرمة وتصنف مفهوم الوطن والوطنيه فكرا هداما ، كلها تؤدي بمعتنقيها الى غياهب السجن و ظلمات القبر
كل هذا، طبعا، تغيير نوعا ما،بعد أحداث 9 سبتمبر 2001 لعوامل معروفة ليس هنا ،على أي حال،مجال الحديث عنها. فبعد مضي قرابة ثلاثة أرباع قرن على قرار تبني الإسم الحالي ، صدر مرسوم ملكي آخر بتاريخ 17 سبتمبر 2005 ،بإعلان يوم 23 سبتمبر “اليوم الوطني” للمملكة واعتباره إجازة رسميه يحتفى به كل عام وفق التقويم الميلادي وليس الهجري
وسواء كان تاريخ صدور المرسوم الأخير في 17 سبتمبر بمحض الصدفة أم لا،إلا أن هذا اليوم يصادف نفس اليوم الذي حصلت فيه ما يعرف اليوم باسم المملكة العربية السعوديه رسميا على استقلالها السياسي والقانوني من بريطانيا العظمى عبر إبرام معاهدة عام 1927ألغت بموجبها بريطانيا وضع الحماية القانونيه على البلاد منذ 1915 . فكل ما يُدّرس في مناهج التعليم العام والجامعي ونقرأه في وسائل الاعلام الرسميه أن المملكة العربية السعوديه لم تكن يوما مستقرا أو معبرا لإستعمار أجنبي غربي،هو أمر مخالف للقانون والواقع
ففي 17 سبتمبر 1927 تمت المصادقه على معاهدة جده التي كانت قد أبرمتها الحكومة البريطانيه مع إبن سعود،بناء على رغبة الطرفين ولأسباب مختلفه، في 20 من مايو نفس العام. فقد نصت المادة الاولى على إعتراف “حكومة جلالته البريطانيه بالاستقلال التام والمطلق لأقاليم جلالة ملك الحجازونجد وملحقاتها”. كما نصت المادة التاسعه على أن معاهدة دارين أو العقير المبرمه في 26 ديسمبر1915وصادقت عليها الحكومة البريطانيه في 18 يوليو 1916، تصبح لاغية من تاريخ المصادقه على معاهدة جده. فبينما أضاءت معاهدة دارين الإشارة الخضراء لإبن سعود ليبدأ توسعه الحثيث خارج حدود وسط نجد والأحساء ،أعطت معاهدة جده الإشارة الحمراء لوقف نهائي لهكذا توسع وحصره ضمن حدود أراضي،قررتها بريطانيا وليس إبن سعود،شكلت ،أساسا، الحدود السياسيه الحاليه للمملكة العربيه السعوديه. واتفاقية دارين شكّلت وفق قواعد القانون الدولي السائد معاهدة حماية كبّلت إبن سعود،بمحض اختياره ورغبته،بسلاسل قيّدت بشكل حاد سياسته وقراره الداخلي والخارجي على حد سواء . في المادة الاولى اعترفت “الحكومة البهية الانكليزيه ” بإبن سعود “حاكما مستقلا ورئيسا مطلقا على عشائر ممالك نجد والحساء والقطيف والجبيل وما يليها وبعده أولاده وأعقابه بالوارثه على أن لا يكون خلَفه شخصا مضادا بأي وجه الى الدولة الانكليزية” وملتزما لبنود لتلك المعاهده. ويتعهد إبن سعود ، في المادة الثالثه ، أن “يتبع” بشكل كامل نصائح الحكومة البريطانيه وأن يمتنع “من الدخول في أي مكاتبة أو مقاولة أو معاهدة مع أي قوم أو دولة أجنبيه” وان يخبر الحكومة البريطانيه عن أي محاولة من قبل دولة أخرى الاتصال به أو التدخل في حدوده. ويتعهد ابن سعود ايضا وفق المادة الرابعه وبشكل قطعي أن لا يتنازل أو يبيع أو يرهن أو يؤجر أو يتصرف بأي شكل في أي جزء من أراضيه أو يمنح إمتيازات لأي دولة أجنبية أخرى أو رعاياها دون موافقة الحكومة البريطانيه. وبينما وضّحت المادة السادسه حدود إبن سعود الشرقيه مع محميات ساحل الخليج العربي التي ترتبط مع بريطانيا بمعاهدات حماية مماثله،تعمّدت المادة الاولى ترك مصير حدود إبن سعود الشماليه،الغربيه والجنوبيه مفتوحا تتم مناقشتها وتحديدها “بعد حين” من خلال ، كما نصت المادة السابعه، “معاهدة مفصلة” يبرمها الطرفان مستقبلا. فنظريا،وهو ما حدث على أرض الواقع ،ألزمت معاهدة دارين إبن سعود على الشروع بغزو واحتلال وضم،جزئيا أو كلّيا، لأراضي جيرانه في كل الجهات عدا الشرق، باسم ودعم بريطانيا ضمنا او صراحة،خضعت تلقائيا للحماية البريطانيه وفق بنود المعاهده
وهذا يعني من الناحية القانونيه ،شكلا ومضمونا ،أن نجد والاحساء (منذ 1915)، سلطنة نجد بما في ذلك إمارات حائل ،الجوف،عسير وجيزان (منذ1922) ومملكة الحجاز بما في ذلك مكة والمدينه (منذ يناير 1926) اصبحت محمية بريطانيه حتى،على الأقل، دخول معاهدة جده حيز التنفيذ في 17 سبتمبر 1927 التي ألغت معاهدة دارين واعترفت باستقلال المملكة العربية السعوديه . ولأن هذا الاستقلال كان مقيّدا ببنود معاهدة تم تجديدها تلقائيا،انتقصت من سيادة الدوله واستقلالها / فانه يمكن القول ان وضع الحماية هذا استمر شكلا،على الاقل،حتى الان لعدم ثبوت،حسب علمي،الغائها رسميا
فالرغم من أن معاهدة 1927 ألغت معاهدة 1915 ،إلاّ أنها ، على أي حال، أحتفظت دون تعديل ببعض البنود المقيّده وأضافت أخرى عبر مذكرات متبادلة شكّلت ملاحق مكملة لجسم المعاهده ،أنقصت بشكل خطير من قيمة هذا الاستقلال النظري.فعند صياغة هذه المعاهده حاولت الحكومة البريطانيه الاخذ بعين الإعتبار الوضع السياسي والأرضي لأبن سعود كحاكم سيادي على الحجاز وبالتالي راعيا لأقدس مقدسات الاسلام في مكة والمدينه. كانت لندن تريد معاهدة تحتفظ بعلاقة تبعية إبن سعود لبريطانيا العظمى دون إعطاء الانطباع بأن دولة غير مسلمة تمارس حالة “حمايه” على الحرمين الشريفين مما يشكل إهانة لرعاياها المسلمين في إمبراطورية الهند البريطانيه. وعكس لندن،حاول إبن سعود جديا الاحتفاظ في معاهدة جده بكل بنود الحماية الوارده في معاهدة دارين لولا إقناعه بعد جهد جهيد من قبل المفاوضين البريطانيين أنفسهم وبعض مستشاريه،بأن الاحتفاظ بها سيجعل منه،كالملك حسين قبله، خائنا في أعين مسلمي الهند وغيرها، لوضعه للحجاز ” تحت حماية دولة مسيحيه “
ولكن رغم كل ذلك فلقد احتفظت المعاهدة عبر بنود ومذكرات متبادلة ملحقه ،بالحقوق الاستسلامية الممنوحه حصرا لبريطانيا مثل تحرير العبيد (الماده 7 والمذكرة رقم 3)، منح إمتيازات خاصه لرعايا وحجاج بريطانيا وأملاكهم على أراضي السعوديه(المواد 3-5والمذكرات 7 و8)،وإعطاء النص الانجليزي للمعاهده أسبقية على النص العربي(الماده 10). كما أن المعاهده فرضت قيودا متعلقة بالسياسه الخارجيه لأبن سعود (المواد 2 و6). فقبيل البدء بالدخول في مفاوضات معاهدة جدة ،أبرم إبن سعود،كشرط مسبق فرضته بريطانيا، في 1-2 نوفمبر 1925 مع المندوب البريطاني الجنرال كليتون اتفاقيتي الحدا والبحره. فبينما عيّنت الاولى الحدود بين سلطنة نجد وإمارة شرق الاردن ،التي كانت جزءا من إنتداب فلسطين،حددت الثاتيه الحدود بين سلطنة نجد والعراق الخاضع للانتداب البريطاني. ولقد ارتأت الحكومه البريطانيه أن هاتين الاتفاقيتين تشكلان “إعترافا صريحا” من قبل إبن سعود بالانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.وشعرت بالتالي بأن إدخال بند مكتوب في مشروع المعاهده ينص على إعتراف صريح بالانتداب البريطاني في فلسطين تحديدا ،كما حاولت مع الملك حسين، يعرض إبن سعود دون ضرورة والذي لم تعترف به دولة مسلمة واحده حتى ذلك الوقت،لمزيد من الاتهامات بخيانة قضايا العرب والمسلمين في فلسطين حيث يقع ثالث مقدسات الاسلام. أما بخصوص حدود مملكة الحجاز مع أراضي الانتداب البريطاني في فلسطين فقد قامت الحكومة البريطانيه من طرف واحد بإحتلال الجزء الشمالي من الحجاز الذي كان يشمل مقاطعتي العقبه ومعان وضمهما الى إمارة شرق الاردن التي كانت قانونا جزءا من انتداب فلسطين وذلك عندما أصبح سقوط الحكم الهاشمي في الحجاز وشيكا مع نهاية 1924. ولقد قدّرت الحكومة البريطانيه إستجابة إبن سعود لإنذارها الضمني بعدم الاقتراب منهما بينما كان “يبلع الحجاز” على الرغم من اعتراف لندن بأنه ك”كخليفة عبر إحتلاله لمملكة الحجاز كان من حقه ضم العقبه ومعان الى مملكته”. على أي حال ، شملت معاهدة جده مذكرات متبادله (رقم 1 و2) قبل فيها إبن سعود صراحة الوضع الجديد لخط العقبه-معان. وبهذا يكون قد اعترف بالانتداب البريطاني على فلسطين بتنازله عن جزء مقدس من أرض معترف بها دوليا أنها تحت سيادة مملكة الحجاز المستقلة وفق معاهدتي فيرساي وسيفر وعصبة الامم التي كان الحجاز عضوا مؤسسا فيها ،عكس سلطنة نجد وحتى”المملكة العربيه السعوديه” التي منعتها بريطانيا ، وفق البنود المقيده لمعاهدة جده، من الانضمام لها
وهناك ايضا مذكرات متبادله (رقم 5 و6) تشترط على إبن سعود شراء الاسلحه والذخائر حصريا من مصانع بريطانيه وأن تستخدم هذه الاسلحه فقط لحفظ الأمن الداخلي مما يعطي بريطانيا ميزة ممارسة نفوذ عليه يضمن استمرارية إعتماده عليها في الحصول على السلاح والذخيره وكذلك يمنع استخدامها بطريقة قد تضر بمصالح بريطانيا في مناطق الانتداب
وبموجب هذا البنود المقيدة لاستقلال بلاده رفضت بريطانيا تكرارا طلب ابن سعود بالانضمام الى عصبة الامم و لم يكن بمقدوره التقدم بطلب مباشر الى عصبة الامم الذي ما كانت لتقبله منه على أي حال.
وأخيرا يجدر التنويه أن معاهدة جده ،كسابقتها،كانت تعهدا شخصيا صريحا بين “حكومة” بريطانيا وشخص إبن سعود فقط وليس حكومته. في هذه الحالة ،تصبح هكذا معاهده قابلة للإلغاء،وليس ملغاة، عند موت أو مقتل إبن سعود أو نكث الاخير لبنودها أو في حال قرر ورثته في الحكم إنتهاج سياسة إعتبرتها بريطانيا معادية لمصالحها مما يعطيها الحق القانوني باتخاذ من طرف واحد اجراءات عملية وقانونيه بما في ذلك إلغاء المعاهده كليا أو جزئيا
إن معاهدة جدة التي منحت المملكه العربيه السعوديه إستقلالها،مهما ظهر منقوصا،كان يفترض أن تبقى في حيز التنفيذ لمدة سبع سنوات قابلة للتجديد وتستمر إلى ما لا نهاية في حال لم يقدم كلا الطرفين المذكرة المشترطه عن نيتهما في التنصل من المعاهده كما جاء في الماده 8. ولقد تم تجديد المعاهده عدة مرات منذ تاريخ إبرامها.وفي 14 أكتوبر 1943 عند قرب حلول تجديدها وافقت الحكومه البريطانيه على طلب رسمي سعودي بإجراء تعديل يلغي فترة التجديد الزمنيه ويجعلها سارية المفعول الى ما لا نهاية . وعليه يبدو أن المعاهده لا تزال ،شكلا على الأقل، سارية المفعول. بل قد تكون الاطار القانوني لاستمرارية العلاقة “الخاصّة” التي تجمع المملكة العربية السعوديه والمملكة المتحده ، كما يجسد ذلك الترتيبات الدفاعيه والامنيه الطويلة الأمد مثل مشروع اليمامه،حرب الخليج الاولى،والسماح بفتح قنصلية بريطانيه في مكة في 1999،وهو إمتياز الاول من نوعه يمنح لدولة غربية غير مسلمة فيما يمنع عن الاتحاد الروسي (والصين) حيث يفوق عدد المسلمين من السكان الاصليين في أي من هاتين الدولتين بأضعاف مضاعفة عدد مسلمي بريطانيا الذين تتشكل غالبيتهمالعظمى من الجيل الاول والثاني من مهاجري شبه القاره الهنديه والشرق الاوسط

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s